ميدان شهداء 25 يناير

مدينة الإسكندرية ، حي ميامي ، شارع إسكندر ابراهيم ، ميدان شهداء ثورة 25 يناير ، ومن بين كافة المناطق والشوارع والخرابات يتم اختياره ليصبح هو “مقلب زبالة” الحي بأكمله ليتم تفريغ شحنات

ميدان شهداء 25 يناير - ميامي - الإسكندرية

ميدان شهداء 25 يناير – ميامي – الإسكندرية

القمامة من الصناديق كلها بداخله وبجوار النصب التذكاري المصنوع خصيصاً لتحية شهداء الثورة.

هل يمكننا اعتبار هذا المشهد مجرد مصادفة معبّرة بشدة عن واقعنا ؟ أم أنه “طبقاً لنظرية المؤامرة” رسالة تريد السلطات توجيهها للشعب ؟ هل له علاقة بالمشهد الشهير لإلقاء جثث الشهداء في أكوام القمامة بميدان التحرير في نوفمبر 2011 ؟

سواء جاءت إجابات الأسئلة السابقة بنعم أو لا فإن كُل النتائج –كما عودتنا استفتاءاتنا- تؤدي إلى حقيقة واحدة وهي أن الثورة وأبطالها وشهداءها وميادينها وهتافاتها ومطالبها –للأسف- لم تلق حتى الآن مصيراً مختلفاً عن ما نراه في الصورة ، فالشهداء تم إلقاؤهم في القمامة والقاتل لم يحاسب “بل تمت مكافئته” والثوار يتم اعتقالهم أو خطفهم وإلقائهم في مناطق نائية بين الحياة والموت بل ويتم تكفيرهم أحياناً وهتافات الثورة أصبحت مجرد شعارات لا يتم الاستجابة لها ولا حتى الالتفات. ولذلك لم يلتفت أحدهم من قبل إلى ذلك المشهد الكريه والمأساوي من قبل متعجباً ، ولم يشعر أحدهم بتأنيب الضمير أثناء إلقاءه للقمامة في هذا المكان وتحت هذه اللافتة وأمام ذلك النصب التذكاري ووسط أرواح هؤلاء الشهداء الذين لم يطلبوا ما لأنفسهم بقدر ما ضحوا بأرواحهم من أجل من يلقي القمامة على ميدانهم الرمزي الذي لم يأتِ بمفعوله في تكريمهم ولكنه نقل للجميع واقع فعلي في أن كل من السُلطة والشعب والأحزاب والجبهات والهيئات والمحلات والمتاجر يلقون بقمامتهم كلها على الثورة ، فهناك من يسب الثورة حينما يرى فساداً وهناك من يسب الثورة حينما يرى انفلاتاً أمنياً وهناك من يسبها حينما تغضبه زوجته وهناك من يسبها حينما يرى أزمة مرورية أو انهياراً اقتصادياً وهناك من لا يحتاج إلى سبب كي يسب الثورة ، فالجميع يخطئ ويخلّف قمامة أخطاءه ليلقيها هنا ، تحت هذا الإسم وأمام هذا النصب التذكاري ليعود إلى مضجعه وبراءة الأطفال في عينيه.

Advertisements

أحمد زكي، حينما يصاب “البريء” بـ “هيستيريا”

Image

لم تقصد رجله هوليوود ولا “كان”، ولم يحلم بالسير على السجادة الحمراء وفي يده امرأة جميلة، كُل ما كان يحلم به هو أن يغادر مدينة الزقازيق الريفيّة ليركب القطار المتجه إلى القاهرة وهنا ينتهي دور القطار وكافة وسائل المواصلات، وهنا أيضاً تبدأ رحلة أحمد زكي إلى قلوب الملايين بتذكرة ذهاب دون عودة.

ذلك الطفل الذي فقد والده في عامه الأول في هذه الحياة، لتتزوج والدته بمجرد وفاة الوالد فيحصل على لقب “يتيم” قبل أن تعرف قدمه طريق الأرض، فكانت أول لمسة للأرض هي بداية لمشوار طويل لم ينته حتى بعد وفاته وكانت أيضاً بداية لعينيه في رحلة للتأمل الصامت لكل شيء خلال فترة طفولته ومراهقته أدت في النهاية إلى شحنة فنيّة تحوّله إلى إنسان آخر أمام الكاميرات أو على خشبة المسرح.

فذلك الإنسان الهادئ الخجول الذي حينما تتعامل معه تبذل قصارى جهدك كي تسمع صوته الخافت ونبراته الرقيقة الخجولة، ما إن يقف أمام الكاميرا إلا ويتحول إلى مجرم محترف، أو ابن عاق، أو هارب من العدالة، أو بوّاب يعمل بسمسرة العقارات.

لم يكن صوته مناسباً ليصبح مطرباً محترفاً، ولكن السؤال اللحوح هو كيف كانت له هذه القدرة على جذب آذان المستمع حينما يبدأ بالغناء؟ ففي ذلك المشهد التاريخي الهزلي في فيلم “هيستيريا” وفي محطة مترو “البحوث” في محافظة الجيزة، وقف احمد زكي مع الفرقة الموسيقية ليبدأ بغناء مقطع “وصفولي الصبر لقيته خيال” لأم كلثوم بطريقة مميزة جداً بدون عُرَب ودون تجويد أو مُحسّنات صوتيّة ولكنها تصل بشكل مباشر وواضح للقلوب.

وبمجرد أن يصل إلى جملة “كلام في الحب يادوب يتقال” يصل معه عدد من المتطرفين إلى محطة مترو الأنفاق ممسكين بالجنازير والسلاح الأبيض لينظر هو إلى الفنان “مجدي فكري” الممسك بالأوكورديون ويقول له مشيراً بوجهه “أهرب من قلبي واروح على فين؟” لينتهي المشهد بهم يركضون أمام جحافل من المتطرفين الذين عُرفوا بانتشارهم في هذه الفترة في شوارع مصر إلى درجة سيطرتهم الكاملة على مناطق مثل “امبابة” وغيرها، ربما نرى في هذا المشهد رسالة موجّهة إلى من يندبون حظهم هذه الأيّام على العهد الماضي باعتباره أفضل مما نشهده الآن ، الأمر الذي يؤكد لنا زكي كونه وهماً من خلال هذا المشهد الخالد، وأن الحقيقة هي أن الجميع أوجه مختلفة لذات العُملة.

جسّد أحمد زكي شخصيّة “أحمد سبع الليل” في فيلم البريء الذي أخرجه الراحل عاطف الطيّب، لنرى على وجهه ملامح ذلك المجنّد الأمّي الذي لا يجيد في حياته إلا الركض، وعزف الناي، وأكل الملح الخام ليكسب رهاناً بين عدد من الشباب المستهترين الساخرين من بساطة عقله، ذلك المجند الذي قتل أحد معتقلي الرأي في السجن وسط صيحات هذا الرجل الذي يحاول تنبيهه إلى كونه يدافع عنه هو وعن أمثاله من الكادحين ناعتاً إياه بالـ”حمار”.

ولم يدرك سبع الليل تلك الكارثة إلا حينما رأى مثقف قريته في وسط الفوج القادم من المعتقلين ليصيح بالجميع “ده لا يمكن يكون من أعداء الوطن”. ليدرك وقتها المأساة التي حدثت ويحيط به صوت الراحل عمّار الشريعي قائلاً “الدم اللي في إيديا واللي بينده عليّا بيقول قتلت مين؟”

وكما هو واضح الآن، فسبب تعلّق الجميع في رقبة هذا الرجل هو تجسيده لهم، ولمن يقابلونهم، ولم يودّون مقابلتهم. من المؤكد أن الأمر لم يكن بسيطاً على زكي أن يستطيع البقاء على مستواه في تلك التركيبة التي تجمع حُسن الاختيار والآداء المتميّز والتعايش الكامل مع الشخصيات التي يؤديها، بحيث يستطيع تقديم كل هذا الكم من الشخصيات المصرية من أقصى البلاد إلى أدناها ومن أقصى شمالها إلى أعماق جنوبها.

وبذلك لم يكن هناك ما يؤديه في النهاية، أو بالأحرى لم يتبقَ، إلا ثلاث شخصيات هُم محمد أنور السادات، الوزير الفاسد، وعبد الحليم حافظ. وربما قصد أو لم يقصد ذلك ولكن تلك الخاتمة التي حملت الرسائل الثلاث من كامب ديفيد مروراً بالفساد السياسي نهاية بنهاية الرحلة ليختتم زكي حياته مردداً مقولته المعروفة “أنا لا أجيد الفلسفة ولا العلوم العويصة.. أنا رجل بسيط جداً لديه أحاسيس يريد التعبير عنها.. لست رجل مذهب سياسي ولا غيره، أنا إنسان ممثل يبحث عن وسائل للتعبير عن الإنسان. الإنسان في هذا العصر يعيش وسط عواصف من الماديات الجنونية، والسينما في بلادنا تظل تتطرق إليه بسطحية”.

وينتهي به المطاف في 27 مارس 2005 لينتقل إلى الخلود بلا عودة بعد صراع قصير مع المرض الذي أنهى عمله على الأرض ليبدأ مع جماهيره مرحلة جديدة لإعادة فتح الرسائل الموجهة من أعماله التي شملت كافة فئات المجتمع المصري.

يونس القاضي.. شاعر النشيد الوطني وشيخ الشعراء

الكشكول

Imageكان خطاب الزعيم المصري الراحل مصطفى كامل قد أدخله التاريخ، ذاك الخطاب الرائع الذي اختتمه قائلاً:”بلادي بلادي، لكِ حبّي وفؤادي”، مما ألهم أحد الحاضرين الشاعر يونس القاضي ليكتب قصيدته “بلادي بلادي” والتي غنّاها فيما بعد فنان الشعب سيّد درويش، والتي أصبحت في وقت لاحق النشيد الوطني المصري الذي يعد أشهر الأناشيد الوطنية في الوطن العربي كلّه، والذي حرص القاضي خلال كتابته أن تكون لغته بسيطة وسهلة، ممزوجة بين العامية المصرية الدراجة والعربية الفصحى.

وُدلد محمد يونس القاضى في العام 1888، وكان من أقرب أصدقاء الموسيقار خالد الذكر سيد درويش، والذي رافق مشواره الفني من خلال كتابته لأهم وأشهر أغانيه الوطنية مثل “يا بلح زغلول” بالإضافة إلى “بلادي بلادي” (التي كتبها وصفاً لمشاعر الشعب المصري بعد نفي سعد زغلول والوفد الممثل لمطالب الشعب خلال ثورة 1919). كما ألف له عدد من أشهر الأغاني العاطفية التي يحفظها المواطن المصري بل والعرب إجمالاً حتى يومنا هذا، واللتي يصل عمر كلّ أغنية منهن إلى…

View original post 542 more words

يونس القاضي.. شاعر النشيد الوطني وشيخ الشعراء

Imageكان خطاب الزعيم المصري الراحل مصطفى كامل قد أدخله التاريخ، ذاك الخطاب الرائع الذي اختتمه قائلاً:”بلادي بلادي، لكِ حبّي وفؤادي”، مما ألهم أحد الحاضرين الشاعر يونس القاضي ليكتب قصيدته “بلادي بلادي” والتي غنّاها فيما بعد فنان الشعب سيّد درويش، والتي أصبحت في وقت لاحق النشيد الوطني المصري الذي يعد أشهر الأناشيد الوطنية في الوطن العربي كلّه، والذي حرص القاضي خلال كتابته أن تكون لغته بسيطة وسهلة، ممزوجة بين العامية المصرية الدراجة والعربية الفصحى.

وُدلد محمد يونس القاضى في العام 1888، وكان من أقرب أصدقاء الموسيقار خالد الذكر سيد درويش، والذي رافق مشواره الفني من خلال كتابته لأهم وأشهر أغانيه الوطنية مثل “يا بلح زغلول” بالإضافة إلى “بلادي بلادي” (التي كتبها وصفاً لمشاعر الشعب المصري بعد نفي سعد زغلول والوفد الممثل لمطالب الشعب خلال ثورة 1919). كما ألف له عدد من أشهر الأغاني العاطفية التي يحفظها المواطن المصري بل والعرب إجمالاً حتى يومنا هذا، واللتي يصل عمر كلّ أغنية منهن إلى ما يقارب المئة عام، مثل:”زورونى كل سنة مرة”، “أنا هويت”، “خفيف الروح”، “أنا عشقت”، “ضيعت مستقبل حياتي”. كما ألّف للسيدة منيرة المهدية وغيرها عدد من الأغاني التي اتسمت بالخلاعة مثل “بعد العشا يحلى الهزار والفرفشة”، و”تعالى ياشاطر نروح القناطر”، و”إرخى الستارة اللى ف ريحنا” .

 كان ليونس القاضي موقفاً طريفاً مع الأغاني التي كتبها للسيدة منيرة المهدية، بحيث كان قد ارتقى يونس القاضي في المناصب حتى وصل إلى منصب “رقيب على المصنفات الفنية”  قد كان أول مصري يشغل هذا المنصب وجاء أول قرار له بمنع إذاعة أغنياته التي اتسمت بالهبوط في المستوى الفنّي والتلميحات البذيئة على حد تصنيفه لها وجاء على رأسها “بعد العشا” و “إرخي الستارة”.

كما ذكرنا، كان قد استمد القاضي كلمات نشيد “بلادى بلادى لك حبي وفؤادي” من خطبة للزعيم مصطفى كامل الذي كان يرعاه ثقافيا ومعنوياً وكان قد كتب مقالة في “جريدة اللواء” يهاجم فيها الإنجليز وذكر في سياقها عن مقابلته مع الزعيم قائلاً:”خرجت من عنده وأنا متحمس جداً وبدأت قي تأليف الجمعيات الوطنية بالأزهر”، وأضاف أن مصطفى كامل قال له خلال حديثهما سوياً:” يا شيخ يونس أنا بخطب بالفصحى والفرنسية والانجليزية ولكن الناس في حاجة لمن يحدثهم بلغتهم وأنت الوحيد الذي يستطيع ذلك”.

كان ليونس  القاضي أيضاً دوراً كبيراً في المشوار الفنّي لكلّ من السيدة أم كلثوم والموسيقار محمد عبد الوهاب، حيث أنه حينما عرف كوكب الشرق واستمع إلى صوتها تحمّس لها بشدة  وكان المدبر لمقابلة خاصة، لم يعرف عنها الكثير حتى الآن، مع سيّد درويش، تلك المقابلة التي كانت فارقة في حياتها بحيث حظت عندها بالتشجيع والحماس من أعظم موسيقار في برّ المحروسة وقتها، ولربما حتى يومنا هذا، وذلك أبان عزلته هروباً من الانجليز الذين كانوا يبحثون عنه بسبب دعمه الصريح ودعواته الواضحة للثورة. وفي سياق أم كلثوم، كانت القاضي قد ساعدها في غناء قصائد عبده الحامولي، الأمر الذي أثرى تجربتها وعمل على اختمار موهبتها وتنمية حسّها الفنّي.

أما عن عبد الوهاب فقد تحدث القاضي خلال حوار صحفي عن علاقته به، قائلاً:”عرفت عبد الوهاب قبل أن أقدمه إلى الشيخ سيد درويش ببضع سنوات وكان يعمل في محل الترزي أحمد يوسف وكان شقيقه محمد يوسف فناناً قديراً فلفت انظارنا إلى الصبي الصغير الذي يرتدى الجاكيته فوق الجلباب وكنت وقتئذ أعد رواية لفوزي الجزايرلي وهو على صلة بالشيخ حسن عبد الوهاب شقيق محمد وطلبنا منه أن يأتى لنا بشقيقه ليغنى بين فصول الرواية -يقصد المسرحية-. وجاء عبد الوهاب وغنى بثلاثة قروش صاغ في الليلة”. ويضيف القاضي:”ولكن كان هناك أجراً أدفعه أنا لعبد الوهاب سواء غنى أو لم يغن وكان يرفض الغناء الا إذا تناول طبق العاشورة”.

قضى يونس القاضي حياته في النضال ودعم الشعب بالكتابة والهتاف ودعم الفن باكتشاف المواهب التي أثرت على الفنّ العربي عموماً والمصري بصفة خاصة، وقد تم اعتقاله 20 مرة تقريباً بسبب كتاباته التي كان ينشدها الشعب خلال ثورة 1919 وكلّ الحركات الاحتجاجية التي مرت بها البلاد، حتى أنه ذات مرة قال له نجيب باشا –وكيل الشرطة آنذاك- بعد أن امسك الجبة والقفطان الذي يرتديه القاضي:” بدل ماتقول الكلام الفارغ ده دور ازاي تصنع جبة في بلدك الأول. وكان قد علّق القاضي علي هذا الحادث قائلاً:”هذا الكلام ظل في راسي إلى أن بدأت لأنادى في الروايات والمسرحيات التي اكتبها بإنشاء المصانع، ومنها
أغنية أهو ده اللى صار”.

توفي شيخ الشعراء محمد يونس القاضي عام 1969 بعد حياة حافلة بالكلمات التي مازال يشدو بها الشارع العربي حتى الآن، ومازالت هي أغنيات الثورات وأناشيد الحرية التي تحكي أصوات الوطن العربي كلّها بعد مائة عام من كتابتها.