سَم الأبدان، في الرد على توكّل كرمان

مايكل عادل

قبل أيام قليلة من قيام إتمام الموجة الثورية الثالثة في مصر في 30 يونيو 2013، كانت الناشطة اليمنية توكّل كرمان تتشدّق بألفاظ المدح ومعاني الوفاء لشباب مصر الذي سيخرج ليسقط الطاغية عن عرش مصر.

ولكن بمجرد إلقاء بيان عزل الرئيس القاتل محمد مرسي عن حكم مصر وتسليم السلطة للمحكمة الدستورية العليا وتشكيل حكومة مدنية تدير البلاد، قفز عقل السيدة من داخل رأسها وظلت تلقي على تلك الموجة الثورية أقبح الألفاظ التهم وأبشع الألفاظ وكأنها تتعمّد إهانة ملايين المصريين الذين خرجوا للمطالبة برحيل ذلك الطاغية الذي لم يقدم لمصر إلا الانقسام والدماء والمزيد من الفقر والأزمات.

دخل العبد لله كاتب هذه السطور إلى موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” وقام بكتابة الرد التالي على ادعاءاتها المثيرة للعجب ومواقفها المتناقضة التي حيّرت الملايين :

السيّدة الفاضلة توكّل كرمان، هي ناشطة ومدوّنة من دولة اليمن الشقيق اللي بنعتز بيها دائماً وتجمعنا بها صلة دم وحب وقرابة من وقت دعم مصر للثورة اليمنيّة في عهد جمال عبد الناصر ورفض مصر وقتها للتدخل الأجنبي في شئون اليمن.
الأستاذة توكّل بتقول ان المصريين أسقطوا ثورة يناير بإسقاطهم لمحمد مرسي، وبتقول اننا رجعنا بمصر للخلف وتحالفنا مع الثورة المضادة ضد الثورة اللي احنا برضه عملناها.
الأستاذة توكّل كرمان هي من دعمت “عبد ربه منصور” رئيساً لليمن بعد قيامهم بثورة عظيمة ضد “علي عبد الله صالح”، وعبد ربه منصور اللي هي دعمته للرئاسة هو نائب الرئيس علي عبد الله صالح منذ عام 1994 وحتى عام 2011، يعني دعمت الثورة المضادة بصفتها وشخصها ليكون رئيس للجمهورية بعد الثورة اللي قامت ضد النظام اللي كان هو نائب الرئيس بتاعه.
الأستاذة توكّل كرمان الحاصلة على جائزة نوبل في “السلام” بتحرّض الشعب المصري وبالأخص الجماعات الدينية ضد الجيش المصري عشان ندخل في حرب دامية بين مدنيين وقوّات مسلّحة.. وده في نظرها انتصار للثورة المصرية.
السيّدة الفاضلة توكّل كرمان تدخّلها في الشأن المصري نابع من جهل واضح بالوضع في مصر لأنها تجهل بتعاون الرئيس المعزول مع رموز من النظام السابق وفي عهده تمّت المصالحة مع أغلب المدانين أمام الكسب غير المشروع وإسقاط التهم عنهم باختلاس أموال الشعب، ومش عارفة ان تصعيد الرموز الثورية الحقيقية ماتمش إلا بعزل هذا النظام.
الأستاذة الفاضلة توكّل كرمان تدخّلها في الشأن المصري تجاهل المذابح اللي حصلت قدام الاتحادية وسفك دم الثوار على يد ميليشيات مسلّحة داعمة للرئيس اللي هي بتتكلّم عنه بصفته ممثّل للثورة المصرية.
الأستاذة توكّل كرمان تدخلها في الشأن المصري تعدّى مرحلة إبداء الرأي ووصل لمرحلة التحريض والسب وإهانة الشعب وثورتة، بإنها تمثّل الثورة بشخص لا يمت لها بصلة، وإنها تتهم الشعب بإنه بيتعاون مع الثورة المضادة، وهي لا تعلم اننا فضلنا في الشوارع 18 شهر نهتف ضد الحكم العسكري بدون ما حد فينا يرفع شومة ضد مجنّد في الجيش، في الوقت اللي الجماعة اللي هي بتعتبرها ممثلة للثورة كانت بتهتف بحياة الحكم العسكري وقتها.
الأستاذة توكّل كرمان، تدخّلك غير مقبول لأنه تعدى مرحلة اللياقة والأدب في الكلام عن وطن زي مصر”
.
وتداول هذا الرد عدد كبير من مستخدمي الموقع حتى وصلها وتفضّلت بالرد عليه على النحو الآتي : ء
 مرحبا عزيزي مايكل كيف حالك ، سعيده بما كتبت ، ولكن أريد أن اوضح لك بأني لم أحرض على العنف أبداً وضده تماماً ، اتمنى مراجعة كل ماكتبت أنا دائما أمجد الشعب المصري العظيم وجيشه كذلك ، وفخورة بثورة 25 يناير ،
كلامي أيها العزيز متسق تماماً ، أنا مع شراكة كل القوى أثناء الفترة الانتقالية ، وهذا ماطالبت به الاخوان وهم في السلطة ، من ضرورة توسيع الشراكة الوطنية في مصر خلال الفترة الانتقالية ، والتي تتطلب اصلاح مؤسسات الدولة وتغييرها ، وبناء الدولة الديمقراطية ، طالبتهم بعدم المضي في حكم مصر بناء على الاغلبية الانتخابية وان الافضل ان يتم ادارتها بالشراكة الواسعة كان واضحا لي ان الشراكة الواسعة لاتستثني الفائزين في الانتخابات ولا تقوم على اقصائهم بل ستضيف اليهم الاخرين الذين سقطوا في الانتخابات، الذي حدث بعد 30يونيو _ والتي ساندتها حين حدثت الاجراءات الانقلابية_ انه تم اقصاء الاخوان وتمكين الذين سقطوا في الانتخابات ، بالتزامن مع الاعتداء على مسيراتهم وقتل معتصميهم واغلاق قنواتهم وسجن قياداتهم ، دون ان يجدوا من يعترض على تلك التصرفات الاستبدادية هذا الوضع الشاذ هو ما انتقدته ، انتقدت من يقودون هذا الوضع الاستبدادي وابقيت حب مصر وشعب مصر وجيش مصر وشبابها في القلب والروح

وقد قمت بالرد عليها على النحو الآتي : ء .. كلامك مش متسق أبداً من نفسه، لأنه أولاً ..

انتي اتكلمتي عن إن فيه قمع وإقصاء للإخوان من المشهد السياسي وماتكلمتيش عن مذابحهم لأهل بين السرايات وسيدي جابر والمنيل ومطروح والعريش ، وحرق بيوت الأقباط في الأقصر.
واتكلمتي عن غلق قنواتهم موجهة اتهامات للنيابة مع عدم علمك بإن القنوات دي بقت تنشر عناوين الإعلاميين والنشطاء وبيوت أهلهم وتحرض على قتلهم
ثانياً .. مفيش حاجة اسمها فصيل لا يتم إقصاؤه وهو فصيل إقصائي وقاتل ويعترف بمسئوليته عن أعمال إرهابية، الدستور المصري بيجرم إنشاء أحزاب سياسية لمليشيات عسكرية أو شبه عسكرية
ثالثا .. سيادتك بتقولي ان اللي حصل في مصر انقلاب عسكري، بمعنى ان الجيش قفز على السلطة في حين ان مطلب تسليم السلطة فوراً اتنفذ بعكس 11 فبراير 2011 لما الجيش فعلياً قفز ع السلطة
  •  رابعا .. انتي كتبتي عندك عبارة “عزلوه وسقطوا” بحكمك على الثوار انهم سقطوا كممثلين للثورة بعزل مرسي وده كلام عاري من الحقيقة
    خامسا .. انتي بتعترضي على توجيه تهمة قتل المتظاهرين لمرسي وبتحاولي تصوري للناس انها تهمة قتل متظاهري 30 يونيو رغم انه موجهله تهمة قتل متظاهري الاتحادية ومحمد محمود3
    وقد تفضلت لتضيف الفقرة التالية إلى كلامها : ء
    لم يشاهد العالم مذابح ماشاهده العالم اداء سلمي وكان الجميع يتوقعون حدوث عنف واسع ، الحمد الله لم يحدث ذلك ، ان حدثت جرائم فهي جرائم فردية ليست سياسة عامة للاخوان وليس من الانصاف ان تعمم مسؤولية الجرئم التي قد يرتكبها احدهم على جميع الاخوان ، ولو كانت سياسة عامة لديهم لكنت اول من يقف ضدهم ، ليس هناك انسان سوي سيقبل بالفتل وسيبرر لأي جريمة

    فاستكملت كلامي قائلاً

    سادساً .. انتي بتدّعي ان الإخوان بيتعرضوا لقمع حالياً رغم ان فعلياً الشعب المصري كله بيتعرض لعمليات ترويع ممنهجة جداً وبلطجة وتكسير سيارات، وبتحريض مسجل صوت وصورة لقيادات الإخوان شخصياً

     سابعاً .. انتي بتقولي ان الثوار المصريين ارتضوا بالذل العسكري رغم ان الفصيل الثوري اللي نزل ضد الإخوان هو نفسه اللي تظاهر واتقتل وهو بيكافح ضد الحكم العسكري لمدة 18 شهر متواصلة ولم يرفع سلاح في وجه جندي واحد، ووقتها الإخوان اتهمونا بالبلطجة والانقلاب على الثورة ونافقوا العسكر كما لم ينافقهم أحد من قبل
     ثامناً .. لو انتي شايفة ان المفروض مرسي مايتوجهلوش تهمة قتل المتظاهرين يبقى مين اللي قتل المتظاهرين وحرض ضدهم في بيان رسمي في ديسمبر 2012 ووقت الاعتصام السلمي للثوار امام قصر الاتحادية وهجوم ميليشيات مؤيدة للرئيس المعزول وقتل الصحفي المصري الحسيني ابو ضيف بعيار خرطوش كامل في المخ؟
    مين القائد الأعلى للشرطة اللي قال انه قدم أوامر للشرطة بالتعامل الفوري مع المتظاهرين؟ وده في بيان رسمي
     تاسعاً .. انتي مع افتراض حسن نيّتك انا هقول انك ماتسمعيش حاجة عن أحداث الاتحادية وشارع يوسف الجندي اللي راح ضحيته الشهيد جابر صلاح “جيكا” وخروج مرسي بعدها في بيان بيقول فيه انه هو اللي أعطى أوامر للشرطة بالتعامل الفوري مع المتظاهرين
    عاشرا .. حضرتك دلوقت بتقولي ان الشباب دلوقت مجرد كومبارس، ودي إهانة لشباب الثورة وشباب مصر لا نقبلها أبداً أبداً .. لأنه لولا شباب مصر ماكانش هايبقى فيه إرادة شعبية ينحاز لها الجيش اللي انتي بتدّعي احترامه من شوية، ويتم تسليم السلطة فورياً لحكومة مدنية ورئيس شرفي كما طلبنا.
     ثم .. حضرتك بتطلقي على عزل الرئيس نزولاً على رغبة الشعب انه انقلاب عسكري، رغم انه تم تسليم فوري للسلطة.. ويوم 11 فبراير 2011 تم تصعيد المجلس العسكري للحكم وده ماطلقتيش عليه انقلاب ! وده موقف عجيب منك جداً لأني أفترض فيكي الذكاء وانك مش شيزوفرينيك كمان.
    ختاماً : الشباب هو محرك الأحداث، إحنا اللي عملنا تمرد واحنا اللي أملينا شروطنا واحنا اللي اتسحلنا واتقتلنا في الشوارع واتسجن مننا دومة وحسن مصطفى وحمادة المصري وأكتر من 200 معتقل بينهم أطفال، وطفل مريض بالسرطان يتم اعتقاله في الاسكندرية ويموت لأنه لم يتلق الرعاية الطبية اللازمة.

    فسألتني عن موقفنا من أحداث الحرس الجمهوري فأجبتها :

     برغم ان الدستور اللي وضعه محمد مرسي في عهده بيخلي قتل مهاجمي الحرس الجمهوري أمر شرعي، لكن احنا ضد قتل أي شخص ومع استخدام أقل قدر ممكن من الطرق الأمنية في فض الهجوم المسلح، واللي كان متصور صوت وصورة، ولكن في النهاية احنا أدننا بشدة التعامل وذهبنا للمشرحة وحضرنا واتضربنا من أهالي الضحايا لأنهم رفضوا التشريح..
    وقد دار حواراً قصيراً بعدها مفاده انها لم تأت لتبرر أخطاء الإخوان ، إنما جاءت كي توجّه للثوار الاتهام بإقصاء الإخوان، وكأنها تجهل أن هذه الموجة الثورية قامت ضد حكم الإخوان ومن الطبيعي أن يتم إقصاء الأنظمة الساقطة كما دعونا لعزل الحزب الوطني سياسياً.
    وقد اختتمت كلامها بادعاء أن تلك الموجة الثورية مدعومة من أمريكا ودول الخليج، فضحك الجميع.
    وقد قمت بتدوين هذا الحوار للتاريخ فقط ولبيان الحُجّة التي تملكها توكّل والتي لا تستند على أي شيء وأن كلامها هذا لا يخرج على مجرد ادعاءات لدعم نظام ساقط في حين أنها تقوم بما يناقض تلك المبادئ التي تتحدث عنها، وفي حين أيضاً انها لم تمُت كالحسيني أو الجندي أو جيكا أو كريستي أو أو أو .. وهذا فقط للتاريخ.Image

في ذكرى النكبة.. من منكم لم يرمها بحجر؟

تصعد الفتاة البيضاء الجميلة سلالم أكبر مصلحة حكومية في مصر، والأكثر تمسّكاً بالروتين والإجراءات البيروقراطية على مستوى العالم، تلك القلعة الحصينة التي تسمّى بـ”مجمّع التحرير”. تتطلّع الفتاة بوجه مُشرق لتشاهد وجوه لمواطنين قد نحتها الزمان بين من يبحث عن معاش إلى من يتسلّم حوالة بريدية، مروراً بمن يريد تسلُّم جواز سفره، وصولاً إلى أصحاب المظالم.

تقف أمام نافذة كُتب عليها “طلب الإقامة للعرب”، وتتحدّث قليلاً مع الموظف ليرشدها إلى نافذة أخرى كُتب عليها “طلب الإقامة للأجانب”، فيتعالى صوتها قائلة “لكن أنا عربيّة، أنا فلسطينية” فيجيبها “لأ حضرتك اسرائيلية”.

تتجه الفتاة، وقد تغيّر لون وجهها، إلى النافذة الأخرى لتجد امرأة محجبّة وقورة تتحدث معها بمنتهى اللباقة، وتسألها عن محل إقامتها في بلدها فتجيبها بفخر “أنا من عكّا.. عكّا الفلسطينيّة”، فتجيبها الموظّفة بهدوء “مابقاش لينا حاجة في عكا خلاص”، فترد الفتاة “لكن أنا ليّا أرض وأهل وحياة، ليّا كتير هناك”، تسألها الموظفة عن مطلبها فتجيب بأنها تريد مد إقامتها في مصر التي لم تتجاوز شهراً واحداً لتخبرها الموظفة بأنه للأسف لا سبيل لذلك وتضيف قائلة “عندك العالم كله تروحيه..” لتخبرها الفتاة وهي تتحرك من أمامها بنبرة الغير مهتم بأن يُسمَع “أنا ما بدّي أروح العالم كله .. بدّي روح بس عكا ومصر”، تبكي ثم تذهب.

على مَر عقود طويلة ظللنا نحن العرب –وبالأخصّ المصريين- نتباهى دائماً بمواقفنا الداعمة للقضيّة الفلسطينية، وتمعّناً في الدعم والتباهي به ظللنا نتشدّق بمقولة لم ننفذ حرفاً منها وهي “أننا لا نعترف بما يسمى إسرائيل”، نعم هذا جيّد جداً ألّا نعترف بتلك الدولة المزعومة من كيان احتلال، أتى على الأخضر واليابس وطرد وشرّد وقتل وسرق وطن من أبنائه ومازال يمارس إجرامه حتى يومنا هذا.

ولكن وإن كنا لا نعترف بذلك الكيان كيف لنا أن نترجم هذا بأن نخبر فلسطيني من الأراضِ المحتلة عام 1948 بأننا لا نقبله في أرضنا لكونه “إسرائيلياً”؟ وكيف بالأحرى نطلق تلك الجنسية على شخص لا يؤمن بها؟ وكيف نترجم اضطراره للتنقل بجواز سفر فرضه عليه الاحتلال في مقابل احتفاظه بأرضه بأنه مواطن اسرائيلي؟

فالفلسطيني يا أيها السادة يواجه عدداً لا بأس به من التُهم الجاهزة من عدد لا بأس به من ملايين العرب، وتلك التهم تتغيّر على حسب مكان إقامته في فلسطين.

فلو كنت مثلاً من أبناء غزة فأنت –حتماً- تنتمي إلى عناصر القسّام أو الجهاد الإسلامي وقد تركت كل شيء في العالم وتريد إيذاء أوطانهم العظيمة، ولو كنت من الأراضِ المحتلّة في 1967 ورام الله فأنت أحد الثلاث إما أنك تابعاً للسلطة الخائنة التي تفاوض الصهاينة حول حق العودة وتبادل الأراضي، أو انك تركت أرضك للاحتلال، أو مطبّع وتعامل الصهاينة وعليك أن تترك أرضك لهم حتى لا تتهم بالتطبيع، ولو كنت فلسطينياً مقيماً بالخارج فأنت أيضاً خائناً وتركت وطنك وهربت ليفتك به الاحتلال، وعلى كل الأحوال فأنت –كفلسطيني- متهم على سبيل الاحتياط.

وعلى جانب آخر فعلينا أن نتمعّن في تحليلنا لما يعانيه المواطن الفلسطيني ابن الأراضي المحتلة منذ عام 1948 من سخافات وادعاءات ومزايدات لا حصر لها، ففي بلده وعلى أرضه المغتصبة منذ 65 عاماً حتى الآن يُعامله الاحتلال معاملة اللاجئ الإرهابي الذي يمثّل خطراً داهماً على أيتامه الذين جلبهم معه ليقطنوا الأرض.

وخارج بلاده و-للأسف- لدى الدول العربية الشقيقة، تتم معاملته كصهيوني يحمل جواز السفر الاسرائيلي ولا يجوز له الإقامة ويوضع تحت ضغط أمني ومراقبة مستمرّة وعلى أفضل الأحوال يحتاج إلى تأشيرة دخول إذا لم يكن ممنوعاً من الأساس.

هل لو كنا –نحن العرب- قوم المزايدون في الأرض، وأسلافنا وحكّامنا لم نتخلَ عن هؤلاء، هل كانوا سيضطرون إلى حمل هذا الجواز؟ هل يعني حملهم لهذا الجواز أي شيء إلا تمسّكهم بأرضهم التي باعتها السلطات والحكام الذين ننعتهم الآن بـ”الأبطال”؟ كيف لنا أن نقبل بتلك القيود عليهم في بلادنا؟ وكيف لنا أن نسمح بأن تلفظهم دول الجوار كما لفظتهم سلطات بلادهم وكما تطاردهم سلطات الاحتلال؟ هل من الصعب أن يتخذ العرب موقفاً موحداً ضاغطاً من أجل هؤلاء كي يحصلوا على امتيازاتهم كمواطنين فلسطينيين، على الأقل في بلادنا نحن؟ أم انهم قد تم بيعهم تارة ثم تخوينهم تارة أخرى ثم لفظهم ثم العبث بمستقبلهم قبل تاريخهم؟

وأخيراً، هل يعلم أحدنا أنه هناك ما يقرب من المليون ونصف مليون فلسطينياً يقطنون الأراضي المحتلّة منذ 1948 مثل الشوكة في حلق الاحتلال ويحملون رغماً عنهم جواز سفر صهيونياً حتى يستطيعوا البقاء في بلادهم بعد أن تركتها السلطات من حساباتها وحتى من مفاوضاتها العقيمة؟ هل نعلم؟ ولو نعلم ماذا قدّمنا لهم سوى التنظير والمزايدات والبكاء المصطنع، وتسمية أحد الكباري بكوبري 15 مايو؟

فإذا كان الاحتلال قد فرض على هؤلاء جواز سفره، فاشيّته، عنصريّته، وخط سيره. إذا كان الاحتلال قد حرم ساكني حيفا وعكّا من زيارة جيرانهم في بيروت، فعلى الأقل علينا أن لا نفرض عليهم المزيد من القيود، علينا أن لا نفرض عليهم أمراضنا النفسيّة وعُقَد النقص والمزايداتImage

الجواب الأخير

و في ذلك اليوم الذي أتذكر فيه ولا تتذكرين , أحاول إفاقة نفسي و أنتِ تحاولين أن تظلي مخمورة بالوهم والصحبة الرديئة في ذلك المكان الذي أدركت سبب ارتياحك له مؤخراً و شجارك الدائم معي كي تذهبي إليه وحدك . و في ذلك اليوم الذي احتفلتِ به بطريقتك الخاصة من الليلة الماضية إلى حاضرنا هذا . تذكرت كُل ما نطقت به شفتاكِ لي و تذكرت أقوالك و عهودك كافتها , تذكرت أسماء أبناءنا حيث اتفقنا عليها و أعدك أن أبنائي سيكون لهم هذه الأسماء , مصر .. فيروز .. و … هذه الأسماء التي سأطلقها على من سأنفذ وصيتك معهم حيث أوصيتيني أن أحكي لهم عنكِ . نعم سأقص عليهم قصصنا , سأُخبرهم أننا قضينا أفضل أوقاتنا سوياً , بل هي أفضل أوقاتي أنا لأنك حين ظننتي أن في غيرها الأفضل ركضتي غير مكترثة بالقلب الذي تدهسينه كما دُهست أرواح الكثير من بني أحلامنا . سأقص على أبنائي سبب ضيق الشريان التاجي و مرض السُكّر الذي لم يلحق بأي من أفراد عائلتي , سأحكي لهم عن ارتخاء عضلات اليد اليسرى نتيجة ما ذهب إليه أباهم طلباً للغوث و النسيان حتى الموت . سأقص على ابنائي ما رأيت في ليلتنا هذه و انا في طريق العودة إلى منزلي حيث صادفت رُبّان سفينتك الهُمام و مثله الأعلى يتفحصان وجهي بالسخرية و التهكم و صائحان في ظهري بأقبح النداءات التي لم ينادني بها ضابط الشرطة الذي ألقاني لأول مرة على الرصيف بين الحياة و الموت . سأقص عليهم قصص الرصاص الذي اتقيته بظهري فداكِ , سأقص عليهم الليالي التي كنت أقضيها على رصيف شارع هدى شعراوي أهذي و انادي هذا و ذاك باسمك و أطلق على حصى الأرض أسماء كُنا نتبادلها سوياً و لن أبخل على أبنائي بالنصح كي يتقوا شر المفاجآت المحزنة و الجرائم المبررة بالنقص و استنفاذ الطاقة ! الطاقة التي نفذت تجاه أبيهم فقط و فاضت لتغرق ديدان الأرض بالعاطفة و التفضيل و سأقص عليهم أنني لم أقلع عن كوني أنا حيث أقلعتِ عن كونك أنتِ و ذبحتي أبيهم بدم بارد وسط اندهاشك لتأوهاته و اندماجك في قَص قصص يومك العظيم تحت تأثير الكحول النفسي و ضحكاتك العالية التي عبرت نهر النيل من منطقة المعادي إلى الهرم , الهرم حيث وُلدنا و حيث قتلتي كُل شئ جميل تبادلناه سوياً , ومازلت أنتظر أن ينتهي من داخلي ذلك الشعور بالألم الذي لا أعلم من أين يأتيني و إلى متى سيستمر و لماذا تشعرين تجاهه بتلك المتعة و الضحكات العالية ؟ لا تأبهي لكلماتي التي لن تجد بداخلك ما تلامسه و لن تجد بخارجك ما تتحسسه , استمري في ايجاد المبررات العظيمة و العبقرية لما تفعلين و استمري في تبرأة نفسك مما ارتكبتي في حق أبيهم و لكنك لن تستمري و لن تدومي و لن تجدي ما يضاهي ما وجدتي في جنتنا التي اردتي يوماً أن تقضي عليها قبل أن تغادريها , و لكنني أعدك أنني سأعيد ترميمها حتى و إن عشت بها وحيداً , حتى و إن لم تجد من يقيم بها للأبد , حتى و إن كانت نهايتي بها . إذهبي مصحوبة بكُل ما أملك من ألم لن يغادرني قريباً و لن أسامحك عليه ما حييت وما مررت بأحد الأماكن التي فاضت بضحكاتنا التي -ببركة طاقتك المقدسة- صارت عويلاً لا يغادر ضلوع من يحدثك الآن . إذهبي ضاحكةً ولا تعودي حين تضيق بكِ الطُرق , فلقد تم استنزاف كُل شئ قابل للعطاء و لم يعد من تبحثي عنه يمتلك سوى ألم و تشوه و مرض و بضعة أصدقاء لا يودون رؤيتك دون علمهم بالأسباب إلا لأنهم سهروا معه ليستمعوا لأنّاته التي أوقعتهم حزناً . أشكرك بشدة على قدرتك على مفاجأتي و إثباتك أن هناك دائماً ما هو أغرب و أقبح .

و أتذكَّر

Image

لم يتوقف هاتفي عن الرنين حين قررت أن أكون وحدي , قرار نادراً ما أتخذه خاصة عندما أكون خارج بيتي و بالأخص حينما أكون في منطقة وسط البلد ! و لكنني امتلكت من (التناحة) اليوم ما يلزم لاتخاذ هذا القرار . قررت المشي في شورع وسط البلد ناظراً لأعلى تجاه شرفات البيوت القديمة التي أحلم أن أقطن بأحدها و مازال هاتفي يصرخ و انا أكتم صوته بينما أرى أصدقاء و معارف في جولتي تلك أحاول تفادي الحديث معهم .

لا أدري لماذا تذكرت في هذه الجولة الكثير مما أحببت طوال حياتي , بل و الكثير مما كرهت .. تذكرت شقتنا القديمة في الدور الأخير حيث الأجواء الاستوائية صيفاً و القطبيّة شتاءً , و أسلوب والدي في اللعب معي و وضعه للسيجارة في فمي قبل أن يخطفها ليضعها في فمه ثم يشعلها , تذكرت والدتي و الأسماء التي كانت تطلقها علي و التي كانت تثير ضحك البعض و تعجب البعض و لكنها محببة لقلبي , تذكرت كرتي الحمراء التي رافقتني منذ ولادتي و التي كانت هدية من خالتي العائدة -وقتها- من البحرين .. تلك الكرة التي مزقها قردٌ في حديقة الحيوان حينما قذفتها على قفصه و أخرج يديه و التقطها و لم أعد إلى منزلي إلا حينما اشترى لي والدي كرة أخرى مازلت محتفظ بها حتى الآن , تذكرت مدرستي و أغاني طابور الصباح “يا طير يا طاير” و “هوّن يا ليل” و “بلادي بلادي” و “الفرحة” , و شريكي في مقعدي في الفصل (مصطفى حجازي) الذي شاركني منذ 4 ابتدائي في المقعد و شاركني في أول مشروع فني أدبي و يشاركني الآن في الشعر موهبةً , تذكرت مدرسة الأورمان و ملاعب الكرة و (مستر سعد بتاع الألعاب) هذا الرجل الذي لم يتقن نطق حرفين من الأبجدية و لكنه كان إمبراطور تأجير ملاعب الكرة في الدقي , تذكرت النت كافيه و كاونتر سترايك و دفتر الغياب , و جواب الفصل من المدرسة و قرار إعادة القيد , تذكرت إني ناقشت مدرس اللغة الألمانية في اسلوب معاملته للطلبة فتمت مجازاتي , و تذكرت تفاصيل التفاصيل التي تخصني كطالب ثانوية عامة متفوق دراسياً و على مستوى الصداقة و الترفيه حتى صرت متهماً بالـ(دح من وراهم) و انني (سوسة) و تلك التُهم العبثية التي يتبادلها الطلاب فيما بينهم و هم في حقيقة الأمر يتنافسون فيها .

يستمر هاتفي الرنين بتلك الأغنية التي كتبت كلماتها قبل ان يتنحى الطاغية بما يقل عن 12 ساعة و التي أردت بها دفع الأمل في صدور رفاقي , تذكرت حياتي الجامعية و مدرج (ج) الوحيد مكيّف الهواء في كليّتي و محاضرات د.إمام النجمي العميد السابق للكليّة , ذلك الرجل المصاب بداء العظمة و الصوت العالي و العصبية المفرطة و قلب الطفل الساذج , ذلك الرجل الذي تدهمه الأزمة القلبية داخل المحاضرة أكثر مما يحضره الكلام , و تذكرت تيار التجديد الاشتراكي , مركز الدراسات الاشتراكية , مركز هشام مبارك الحقوقي , مظاهرات (كفاية) , مظاهرات التضامن مع فلسطين ضد العدو الصهيوني , الأمن المركزي , الهتافات , كمال خليل , جورج اسحق , عبد الحليم قنديل , محمد هاشم , تزوير الانتخابات , خالد سعيد , كنيسة القديسين !

كانت أول كنيسة أزورها في مدينة الاسكندرية لقربها من منزلنا هناك في ميامي , كنت طفلاً وقتها و والدي اصطحبني إليها .. تفجّرت ؟! أمن الدولة , ميدان طلعت حرب , محطة مترو السادات , الضابط الأصلع و شاربه الذي يشبه شارب عبد الفتاح القصري : (بطاقتك) , (اتفضل) طيب خليك واقف هنا شوية .

مظاهرات شارع مسرة , مينا دانيال , ابتسمت ابتسامة واسعة في شارع هدى شعراوي حتى ظن أحد أصحاب الأكشاك اني اعرفه , ثم  جرت دمعة في عيني و جفت قبل أن تصل إلى حافتها .

تذكرت ميدان التحرير و الثورة و الدعوة لها و … مصطفى الصاوي , زياد بكير , أحمد بسيوني , كريم بنونة , سميرة ابراهيم , الرائد محمد الوديع , و مينا دانيال مرة أخرى , رامي الشرقاوي , أحمد حرارة , مالك مصطفى , الشيخ عماد عفت , غندور , أنس الجميل و وقفت لأجلس على الرصيف و اشعل سيجارتي و أكتم هاتفي الذي يرن في اذني بتلك الكلمات ” لو يطول الليل في قلبك و انتظارك ليها زاد و ……و … و… و… ” و المزيد مما يعاني شعبنا السعيد .

تذكرت المسرح و فرقة حالة , أول من أعطاني فرصة الكتابة للمسرح , و تذكرت انني لم ….. و لم … و لن يفهمني أحد .

انتهيت من التدخين و قمت لأفتش جيبي لأجد به ما يساعدني للوصول إلى منزلي و تذكرت انني لا أجد عملاً في جريدة ولا أستطيع منح نفسي فرصة أخرى كي أدفع الإيجار ولا أصرف من قيمة الإيجار التي احتفظ بها كآخر دليل على كوني مواطناً مصرياً يعيش في مصر و يعشقها و يكتب في حبها و لكنه لا يتناسب و قواعد العمل فيما يحب ولا يتناسب و مبدأ تكافؤ الفرص ولا يتناسب و تقاضي أجراً على أعماله مع من عمل معهم . 

أبتسم .. تتسع ابتسامتي .. أضحك بصوت عالٍ و انسى كوني شاباً خجولاً يسير بمفرده في شوارع وسط البلد ثم ألاحظ ذلك فأخرج هاتفي و أقرر أخيراً الرد عليه لمجرد أن أفرغ ضحكاتي الهستيرية في أذن المتصل أياً كان من هو حتى لا يجدني الناس مختلاً , أغلق الخط ثم أقرر العودة إلى منزلي بما تبقى لي من نقود و اسمع الكثير من (زياد رحباني) هامساً ( بلا ولا شي) و أتذكر حبيبتي .. مسك الختام .

و مَـنـْح

لم يكن يعرف سبب الرفض المبالغ فيه من قِبَل البشر تجاه (المَنح) , لم يعرض على أحدهم أو إحداهن أن يمنحه شيئاً إلا و كان الرفض مبالغاً فيه حتى شعر أنه يفعل شيئاً منافياً لقيم جديدة في المجتمع , المَنح .. لم يكن بالنسبة له هو ذلك الخير الذي يراه الآخرون بل كان يمنح ليعطي البشر إمكانية الاستغناء عن أي شئ , بل كان يعطيهم حق و إمكانية الاستغناء عنه هو شخصياً لا لشئ إلا لإعفاء نفسه من جهد اكتشاف أصدقائه المنتفعين . فالمنتفع لا يجد غضاضة في الذهاب لشراء أقرب ورقة بوسطة بمجرد أن يُمنح مفتاح الاستغناء ليبدأ في مرحلة جديدة لها ملابساتها الجديدة و طريقة كلامها الجديدة و هداياها الجديدة و ذوقها الجديد . كان كلما أحب أحداً , علّمه ألا يعتمد عليه هو وحده للبقاء , كان يحرق ساعات و ساعات في شرح أبعاد الحياة و ان حب الناس له لا يعني بالضرورة اعتباره من أساسيات الحياة و انه لا يمكن الاستغناء عنه , كان يحرص كل الحرص على تقديم جوانب أخرى للحياة و مصادر عديدة للأوكسجين لمن أحب . كان يدفعهم\هن دفعاً للبحث عن النفس و أهوائها لأنه كان مؤمناً جداً بأن الإنسان حينما يجد نفسه , فهو لن يغالي أو يبالغ في تقدير الآخرين و سيتمكن من البقاء إلى جوارهم طالما كان شعوره صادقاً و طالما كانت الفطرة سليمة , و لن يجد الحرج في الاستغناء يوماً عنهم . صديقي هذا الذي أتحدث عنه لم يجد أي تعريفاً لشعوره حينما يودعه أحدهم , هو شعور بالفخر الممزوج بالحزن و الافتقاد , لم يفهم أحد أنه يفعل كل ذلك كي يستمتع برؤية ذلك الكائن الخرافي الذي سيمكث إلى جواره رغم امتلاكه مفاتيح الاستغناء , هذا هو المَنح الذي عرفه .

صباح الفُل ع الكُل

بما إن أحلى ما في الحياة التغيير , و بما إن الكلمة إيد و رجل و حاجات كتير .. قررت أنا مايكل عادل إني أدوّن هنا و هستنى أرائكم دايماً و هعمل بيها و اتمنى المكان يكون قد المقام .

ملحوظة | المدونة و تدويناتها بيعبروا عن رأيي الشخصي اللي هايعجب أنفار الميدان اللي زيي و جايز أحياناً يعجب ناس تانية , المهم ان الناس تحس ان الكلام هنا طالع من جواهم و بيعبر عنهم .. بصوا , انسوا أي حاجة , المهم تدخلوا تقروا هنا و تقولوا رأيكم , صباح الفُل