في ذكرى النكبة.. من منكم لم يرمها بحجر؟

تصعد الفتاة البيضاء الجميلة سلالم أكبر مصلحة حكومية في مصر، والأكثر تمسّكاً بالروتين والإجراءات البيروقراطية على مستوى العالم، تلك القلعة الحصينة التي تسمّى بـ”مجمّع التحرير”. تتطلّع الفتاة بوجه مُشرق لتشاهد وجوه لمواطنين قد نحتها الزمان بين من يبحث عن معاش إلى من يتسلّم حوالة بريدية، مروراً بمن يريد تسلُّم جواز سفره، وصولاً إلى أصحاب المظالم.

تقف أمام نافذة كُتب عليها “طلب الإقامة للعرب”، وتتحدّث قليلاً مع الموظف ليرشدها إلى نافذة أخرى كُتب عليها “طلب الإقامة للأجانب”، فيتعالى صوتها قائلة “لكن أنا عربيّة، أنا فلسطينية” فيجيبها “لأ حضرتك اسرائيلية”.

تتجه الفتاة، وقد تغيّر لون وجهها، إلى النافذة الأخرى لتجد امرأة محجبّة وقورة تتحدث معها بمنتهى اللباقة، وتسألها عن محل إقامتها في بلدها فتجيبها بفخر “أنا من عكّا.. عكّا الفلسطينيّة”، فتجيبها الموظّفة بهدوء “مابقاش لينا حاجة في عكا خلاص”، فترد الفتاة “لكن أنا ليّا أرض وأهل وحياة، ليّا كتير هناك”، تسألها الموظفة عن مطلبها فتجيب بأنها تريد مد إقامتها في مصر التي لم تتجاوز شهراً واحداً لتخبرها الموظفة بأنه للأسف لا سبيل لذلك وتضيف قائلة “عندك العالم كله تروحيه..” لتخبرها الفتاة وهي تتحرك من أمامها بنبرة الغير مهتم بأن يُسمَع “أنا ما بدّي أروح العالم كله .. بدّي روح بس عكا ومصر”، تبكي ثم تذهب.

على مَر عقود طويلة ظللنا نحن العرب –وبالأخصّ المصريين- نتباهى دائماً بمواقفنا الداعمة للقضيّة الفلسطينية، وتمعّناً في الدعم والتباهي به ظللنا نتشدّق بمقولة لم ننفذ حرفاً منها وهي “أننا لا نعترف بما يسمى إسرائيل”، نعم هذا جيّد جداً ألّا نعترف بتلك الدولة المزعومة من كيان احتلال، أتى على الأخضر واليابس وطرد وشرّد وقتل وسرق وطن من أبنائه ومازال يمارس إجرامه حتى يومنا هذا.

ولكن وإن كنا لا نعترف بذلك الكيان كيف لنا أن نترجم هذا بأن نخبر فلسطيني من الأراضِ المحتلة عام 1948 بأننا لا نقبله في أرضنا لكونه “إسرائيلياً”؟ وكيف بالأحرى نطلق تلك الجنسية على شخص لا يؤمن بها؟ وكيف نترجم اضطراره للتنقل بجواز سفر فرضه عليه الاحتلال في مقابل احتفاظه بأرضه بأنه مواطن اسرائيلي؟

فالفلسطيني يا أيها السادة يواجه عدداً لا بأس به من التُهم الجاهزة من عدد لا بأس به من ملايين العرب، وتلك التهم تتغيّر على حسب مكان إقامته في فلسطين.

فلو كنت مثلاً من أبناء غزة فأنت –حتماً- تنتمي إلى عناصر القسّام أو الجهاد الإسلامي وقد تركت كل شيء في العالم وتريد إيذاء أوطانهم العظيمة، ولو كنت من الأراضِ المحتلّة في 1967 ورام الله فأنت أحد الثلاث إما أنك تابعاً للسلطة الخائنة التي تفاوض الصهاينة حول حق العودة وتبادل الأراضي، أو انك تركت أرضك للاحتلال، أو مطبّع وتعامل الصهاينة وعليك أن تترك أرضك لهم حتى لا تتهم بالتطبيع، ولو كنت فلسطينياً مقيماً بالخارج فأنت أيضاً خائناً وتركت وطنك وهربت ليفتك به الاحتلال، وعلى كل الأحوال فأنت –كفلسطيني- متهم على سبيل الاحتياط.

وعلى جانب آخر فعلينا أن نتمعّن في تحليلنا لما يعانيه المواطن الفلسطيني ابن الأراضي المحتلة منذ عام 1948 من سخافات وادعاءات ومزايدات لا حصر لها، ففي بلده وعلى أرضه المغتصبة منذ 65 عاماً حتى الآن يُعامله الاحتلال معاملة اللاجئ الإرهابي الذي يمثّل خطراً داهماً على أيتامه الذين جلبهم معه ليقطنوا الأرض.

وخارج بلاده و-للأسف- لدى الدول العربية الشقيقة، تتم معاملته كصهيوني يحمل جواز السفر الاسرائيلي ولا يجوز له الإقامة ويوضع تحت ضغط أمني ومراقبة مستمرّة وعلى أفضل الأحوال يحتاج إلى تأشيرة دخول إذا لم يكن ممنوعاً من الأساس.

هل لو كنا –نحن العرب- قوم المزايدون في الأرض، وأسلافنا وحكّامنا لم نتخلَ عن هؤلاء، هل كانوا سيضطرون إلى حمل هذا الجواز؟ هل يعني حملهم لهذا الجواز أي شيء إلا تمسّكهم بأرضهم التي باعتها السلطات والحكام الذين ننعتهم الآن بـ”الأبطال”؟ كيف لنا أن نقبل بتلك القيود عليهم في بلادنا؟ وكيف لنا أن نسمح بأن تلفظهم دول الجوار كما لفظتهم سلطات بلادهم وكما تطاردهم سلطات الاحتلال؟ هل من الصعب أن يتخذ العرب موقفاً موحداً ضاغطاً من أجل هؤلاء كي يحصلوا على امتيازاتهم كمواطنين فلسطينيين، على الأقل في بلادنا نحن؟ أم انهم قد تم بيعهم تارة ثم تخوينهم تارة أخرى ثم لفظهم ثم العبث بمستقبلهم قبل تاريخهم؟

وأخيراً، هل يعلم أحدنا أنه هناك ما يقرب من المليون ونصف مليون فلسطينياً يقطنون الأراضي المحتلّة منذ 1948 مثل الشوكة في حلق الاحتلال ويحملون رغماً عنهم جواز سفر صهيونياً حتى يستطيعوا البقاء في بلادهم بعد أن تركتها السلطات من حساباتها وحتى من مفاوضاتها العقيمة؟ هل نعلم؟ ولو نعلم ماذا قدّمنا لهم سوى التنظير والمزايدات والبكاء المصطنع، وتسمية أحد الكباري بكوبري 15 مايو؟

فإذا كان الاحتلال قد فرض على هؤلاء جواز سفره، فاشيّته، عنصريّته، وخط سيره. إذا كان الاحتلال قد حرم ساكني حيفا وعكّا من زيارة جيرانهم في بيروت، فعلى الأقل علينا أن لا نفرض عليهم المزيد من القيود، علينا أن لا نفرض عليهم أمراضنا النفسيّة وعُقَد النقص والمزايداتImage

Advertisements