الجواب الأخير

و في ذلك اليوم الذي أتذكر فيه ولا تتذكرين , أحاول إفاقة نفسي و أنتِ تحاولين أن تظلي مخمورة بالوهم والصحبة الرديئة في ذلك المكان الذي أدركت سبب ارتياحك له مؤخراً و شجارك الدائم معي كي تذهبي إليه وحدك . و في ذلك اليوم الذي احتفلتِ به بطريقتك الخاصة من الليلة الماضية إلى حاضرنا هذا . تذكرت كُل ما نطقت به شفتاكِ لي و تذكرت أقوالك و عهودك كافتها , تذكرت أسماء أبناءنا حيث اتفقنا عليها و أعدك أن أبنائي سيكون لهم هذه الأسماء , مصر .. فيروز .. و … هذه الأسماء التي سأطلقها على من سأنفذ وصيتك معهم حيث أوصيتيني أن أحكي لهم عنكِ . نعم سأقص عليهم قصصنا , سأُخبرهم أننا قضينا أفضل أوقاتنا سوياً , بل هي أفضل أوقاتي أنا لأنك حين ظننتي أن في غيرها الأفضل ركضتي غير مكترثة بالقلب الذي تدهسينه كما دُهست أرواح الكثير من بني أحلامنا . سأقص على أبنائي سبب ضيق الشريان التاجي و مرض السُكّر الذي لم يلحق بأي من أفراد عائلتي , سأحكي لهم عن ارتخاء عضلات اليد اليسرى نتيجة ما ذهب إليه أباهم طلباً للغوث و النسيان حتى الموت . سأقص على ابنائي ما رأيت في ليلتنا هذه و انا في طريق العودة إلى منزلي حيث صادفت رُبّان سفينتك الهُمام و مثله الأعلى يتفحصان وجهي بالسخرية و التهكم و صائحان في ظهري بأقبح النداءات التي لم ينادني بها ضابط الشرطة الذي ألقاني لأول مرة على الرصيف بين الحياة و الموت . سأقص عليهم قصص الرصاص الذي اتقيته بظهري فداكِ , سأقص عليهم الليالي التي كنت أقضيها على رصيف شارع هدى شعراوي أهذي و انادي هذا و ذاك باسمك و أطلق على حصى الأرض أسماء كُنا نتبادلها سوياً و لن أبخل على أبنائي بالنصح كي يتقوا شر المفاجآت المحزنة و الجرائم المبررة بالنقص و استنفاذ الطاقة ! الطاقة التي نفذت تجاه أبيهم فقط و فاضت لتغرق ديدان الأرض بالعاطفة و التفضيل و سأقص عليهم أنني لم أقلع عن كوني أنا حيث أقلعتِ عن كونك أنتِ و ذبحتي أبيهم بدم بارد وسط اندهاشك لتأوهاته و اندماجك في قَص قصص يومك العظيم تحت تأثير الكحول النفسي و ضحكاتك العالية التي عبرت نهر النيل من منطقة المعادي إلى الهرم , الهرم حيث وُلدنا و حيث قتلتي كُل شئ جميل تبادلناه سوياً , ومازلت أنتظر أن ينتهي من داخلي ذلك الشعور بالألم الذي لا أعلم من أين يأتيني و إلى متى سيستمر و لماذا تشعرين تجاهه بتلك المتعة و الضحكات العالية ؟ لا تأبهي لكلماتي التي لن تجد بداخلك ما تلامسه و لن تجد بخارجك ما تتحسسه , استمري في ايجاد المبررات العظيمة و العبقرية لما تفعلين و استمري في تبرأة نفسك مما ارتكبتي في حق أبيهم و لكنك لن تستمري و لن تدومي و لن تجدي ما يضاهي ما وجدتي في جنتنا التي اردتي يوماً أن تقضي عليها قبل أن تغادريها , و لكنني أعدك أنني سأعيد ترميمها حتى و إن عشت بها وحيداً , حتى و إن لم تجد من يقيم بها للأبد , حتى و إن كانت نهايتي بها . إذهبي مصحوبة بكُل ما أملك من ألم لن يغادرني قريباً و لن أسامحك عليه ما حييت وما مررت بأحد الأماكن التي فاضت بضحكاتنا التي -ببركة طاقتك المقدسة- صارت عويلاً لا يغادر ضلوع من يحدثك الآن . إذهبي ضاحكةً ولا تعودي حين تضيق بكِ الطُرق , فلقد تم استنزاف كُل شئ قابل للعطاء و لم يعد من تبحثي عنه يمتلك سوى ألم و تشوه و مرض و بضعة أصدقاء لا يودون رؤيتك دون علمهم بالأسباب إلا لأنهم سهروا معه ليستمعوا لأنّاته التي أوقعتهم حزناً . أشكرك بشدة على قدرتك على مفاجأتي و إثباتك أن هناك دائماً ما هو أغرب و أقبح .

Advertisements