و أتذكَّر

Image

لم يتوقف هاتفي عن الرنين حين قررت أن أكون وحدي , قرار نادراً ما أتخذه خاصة عندما أكون خارج بيتي و بالأخص حينما أكون في منطقة وسط البلد ! و لكنني امتلكت من (التناحة) اليوم ما يلزم لاتخاذ هذا القرار . قررت المشي في شورع وسط البلد ناظراً لأعلى تجاه شرفات البيوت القديمة التي أحلم أن أقطن بأحدها و مازال هاتفي يصرخ و انا أكتم صوته بينما أرى أصدقاء و معارف في جولتي تلك أحاول تفادي الحديث معهم .

لا أدري لماذا تذكرت في هذه الجولة الكثير مما أحببت طوال حياتي , بل و الكثير مما كرهت .. تذكرت شقتنا القديمة في الدور الأخير حيث الأجواء الاستوائية صيفاً و القطبيّة شتاءً , و أسلوب والدي في اللعب معي و وضعه للسيجارة في فمي قبل أن يخطفها ليضعها في فمه ثم يشعلها , تذكرت والدتي و الأسماء التي كانت تطلقها علي و التي كانت تثير ضحك البعض و تعجب البعض و لكنها محببة لقلبي , تذكرت كرتي الحمراء التي رافقتني منذ ولادتي و التي كانت هدية من خالتي العائدة -وقتها- من البحرين .. تلك الكرة التي مزقها قردٌ في حديقة الحيوان حينما قذفتها على قفصه و أخرج يديه و التقطها و لم أعد إلى منزلي إلا حينما اشترى لي والدي كرة أخرى مازلت محتفظ بها حتى الآن , تذكرت مدرستي و أغاني طابور الصباح “يا طير يا طاير” و “هوّن يا ليل” و “بلادي بلادي” و “الفرحة” , و شريكي في مقعدي في الفصل (مصطفى حجازي) الذي شاركني منذ 4 ابتدائي في المقعد و شاركني في أول مشروع فني أدبي و يشاركني الآن في الشعر موهبةً , تذكرت مدرسة الأورمان و ملاعب الكرة و (مستر سعد بتاع الألعاب) هذا الرجل الذي لم يتقن نطق حرفين من الأبجدية و لكنه كان إمبراطور تأجير ملاعب الكرة في الدقي , تذكرت النت كافيه و كاونتر سترايك و دفتر الغياب , و جواب الفصل من المدرسة و قرار إعادة القيد , تذكرت إني ناقشت مدرس اللغة الألمانية في اسلوب معاملته للطلبة فتمت مجازاتي , و تذكرت تفاصيل التفاصيل التي تخصني كطالب ثانوية عامة متفوق دراسياً و على مستوى الصداقة و الترفيه حتى صرت متهماً بالـ(دح من وراهم) و انني (سوسة) و تلك التُهم العبثية التي يتبادلها الطلاب فيما بينهم و هم في حقيقة الأمر يتنافسون فيها .

يستمر هاتفي الرنين بتلك الأغنية التي كتبت كلماتها قبل ان يتنحى الطاغية بما يقل عن 12 ساعة و التي أردت بها دفع الأمل في صدور رفاقي , تذكرت حياتي الجامعية و مدرج (ج) الوحيد مكيّف الهواء في كليّتي و محاضرات د.إمام النجمي العميد السابق للكليّة , ذلك الرجل المصاب بداء العظمة و الصوت العالي و العصبية المفرطة و قلب الطفل الساذج , ذلك الرجل الذي تدهمه الأزمة القلبية داخل المحاضرة أكثر مما يحضره الكلام , و تذكرت تيار التجديد الاشتراكي , مركز الدراسات الاشتراكية , مركز هشام مبارك الحقوقي , مظاهرات (كفاية) , مظاهرات التضامن مع فلسطين ضد العدو الصهيوني , الأمن المركزي , الهتافات , كمال خليل , جورج اسحق , عبد الحليم قنديل , محمد هاشم , تزوير الانتخابات , خالد سعيد , كنيسة القديسين !

كانت أول كنيسة أزورها في مدينة الاسكندرية لقربها من منزلنا هناك في ميامي , كنت طفلاً وقتها و والدي اصطحبني إليها .. تفجّرت ؟! أمن الدولة , ميدان طلعت حرب , محطة مترو السادات , الضابط الأصلع و شاربه الذي يشبه شارب عبد الفتاح القصري : (بطاقتك) , (اتفضل) طيب خليك واقف هنا شوية .

مظاهرات شارع مسرة , مينا دانيال , ابتسمت ابتسامة واسعة في شارع هدى شعراوي حتى ظن أحد أصحاب الأكشاك اني اعرفه , ثم  جرت دمعة في عيني و جفت قبل أن تصل إلى حافتها .

تذكرت ميدان التحرير و الثورة و الدعوة لها و … مصطفى الصاوي , زياد بكير , أحمد بسيوني , كريم بنونة , سميرة ابراهيم , الرائد محمد الوديع , و مينا دانيال مرة أخرى , رامي الشرقاوي , أحمد حرارة , مالك مصطفى , الشيخ عماد عفت , غندور , أنس الجميل و وقفت لأجلس على الرصيف و اشعل سيجارتي و أكتم هاتفي الذي يرن في اذني بتلك الكلمات ” لو يطول الليل في قلبك و انتظارك ليها زاد و ……و … و… و… ” و المزيد مما يعاني شعبنا السعيد .

تذكرت المسرح و فرقة حالة , أول من أعطاني فرصة الكتابة للمسرح , و تذكرت انني لم ….. و لم … و لن يفهمني أحد .

انتهيت من التدخين و قمت لأفتش جيبي لأجد به ما يساعدني للوصول إلى منزلي و تذكرت انني لا أجد عملاً في جريدة ولا أستطيع منح نفسي فرصة أخرى كي أدفع الإيجار ولا أصرف من قيمة الإيجار التي احتفظ بها كآخر دليل على كوني مواطناً مصرياً يعيش في مصر و يعشقها و يكتب في حبها و لكنه لا يتناسب و قواعد العمل فيما يحب ولا يتناسب و مبدأ تكافؤ الفرص ولا يتناسب و تقاضي أجراً على أعماله مع من عمل معهم . 

أبتسم .. تتسع ابتسامتي .. أضحك بصوت عالٍ و انسى كوني شاباً خجولاً يسير بمفرده في شوارع وسط البلد ثم ألاحظ ذلك فأخرج هاتفي و أقرر أخيراً الرد عليه لمجرد أن أفرغ ضحكاتي الهستيرية في أذن المتصل أياً كان من هو حتى لا يجدني الناس مختلاً , أغلق الخط ثم أقرر العودة إلى منزلي بما تبقى لي من نقود و اسمع الكثير من (زياد رحباني) هامساً ( بلا ولا شي) و أتذكر حبيبتي .. مسك الختام .